فصل: تفسير الآيات (5- 6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال: يريد الأرض الطيبة العذبة التي تخرج نباتها بإذن ربها، تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا تخرج، وهما أرض واحدة وماؤهما شيء ملح وعذب. ففضلت احداهما على الأخرى.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: ليس في الأرض ماء، إلا ما نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فمن أراد أن يعود الملح عذبًا فليصعد الماء من الأرض.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال: السبخة والعذبة والمالح والطيب.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة- رضي الله عنه: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال: قرى متجاورات، قريب بعضها من بعض.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال: فارس والأهواز والكوفة والبصرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال: الأرض تنبت حلوًا، والأرض تنبت حامضًا. وهي متجاورات تسقى بماء واحد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال: الأرض الواحدة، يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود، وبعضه أكبر حملًا من بعض، وبعضه حلو وبعضه حامض، وبعضه أفضل من بعض.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله: {صنوان وغير صنوان} قال: الصنوان، ما كان أصله واحدًا وهو متفرق وغير صنوان، التي تنبت وحدها. وفي لفظ: {صنوان} النخلة في النخلة ملتصقة، وغير صنوان النخل المتفرق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما: {صنوان} قال: مجتمع النخيل في أصل واحد: {وغير صنوان} قال: النخل المتفرق.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال: طيبها عذبها. وخبيثها السباخ. وفي قوله: {وجنات من أعناب} قال: جنات وما معها. وفي قوله: {صنوان} قال: النخلتان وأكثر في أصل واحد: {وغير صنوان} وحدها تسقى: {بماء واحد} قال: ماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد. وكذلك النخلة، أصلها واحد وطعامها مختلف. وهو يشرب بماء واحد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {صنوان وغير صنوان} قال: مجتمع وغير مجتمع: {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} قال: العنب الأبيض والأسود والأحمر، والتين الأبيض والأسود، والنخل الأحمر والأصفر.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه: {صنوان} قال: ثلاث نخلات في أصل واحد، كمثل ثلاثة من بني أب وأم يتفاضلون في العمل، كما يتفاضل ثمر هذه النخلات الثلاث في أصل واحد.
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: مثل ضربه الله عز وجل لقلوب بني آدم، كما كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة، فسطحها وبطحها، فصارت الأرض قطعًا متجاورة، فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها، وتخرج نباتها وتحيي موتاها، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبثها، وكلتاهما: {يسقى بماء واحد} فلو كان الماء مالحًا، قيل إنما استبخت هذه من قبل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب فتلهو وتسهو وتجفو، قال الحسن رضي الله عنه والله ما جالس القرآن أحد، إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان. قال الله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا} [الإسراء: 82].
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه: {صنوان} قال: الصنوان، النخلة التي يكون فيها نخلتان وثلاث، أصلهن واحد. قال: وحدثني رجل أنه كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين العباس قول، فأسرع إليه العباس فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا نبي الله، ألم تر عباسًا؟ فعل بي وفعل، فأردت أن أجيبه فذكرت مكانك منه فكففت عنه. فقال: يرحمك الله، إن عم الرجل صنو أبيه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير. عن مجاهد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تؤذوني في العباس، فإنه بقية آبائي، وإن عم الرجل صنو أبيه».
وأخرج ابن جرير عن عطاء رضي الله عنه وابن أبي مليكة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟».
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي وابن مردويه، عن جابر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يا علي، الناس من شجر شتى، وأنا وأنت يا علي، من شجرة واحدة» ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان}.
وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قرأ: {ونفضل بعضها على بعض} بالنون.
وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} قال: الدقل والفارسي والحلو والحامض.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} قال: هذا حامض وهذا حلو وهذا دقل وهذا فارسي.
وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} قال: هذا حلو وهذا مر وهذا حامض، كذلك بنو آدم أبوهم واحد، ومنهم المؤمن والكافر. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)}
والرَّواسِي: الثوابت وهي الجبال، وفَواعِل الوصفُ لا يَطَّرِدُ إلاَّ في الإِناثِ، إلاَّ أن المكسَّر ممَّا لا يَعْقِلُ يجري مَجْرى جمعِ الإِناث، وأيضًا فقد كَثُرَ استعمالُه كالجوامِد فجُمِعَ كحائط وحوائط وكاهِل وكواهل. وقيل: هو جمعُ راسِيَة، والهاء للمبالغة، والرُّسُوُّ: الثبوت قال:
بهِ خالداتٌ ما يَرِمْنَ وهامِدٌ ** وَأشْعَثُ أَرْسَتْهُ الوَليدةُ بالفِهْرِ

قوله: {وَمِن كُلِّ الثمرات} يجوز فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أَنْ يتعلَّقَ ب {جَعَل} بعده، أي: وجعل فيها زوجين اثنين مِنْ كلٍ، وهو ظاهر. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من {اثنين}؛ لأنه في الأصلِ صفةٌ له. والثالث: أن يَتِمَّ الكلامُ على قوله: {وَمِن كُلِّ الثمرات} فيتعلَّقَ ب {جَعَلَ} الأولى على أنه من عطفِ المفردات، يعني عَطَفَ على معمول {جعل} الأولى، تقديرُه: أنه جَعَلَ في الأرض كذا وكذا ومن كل الثمرات. قال أبو البقاء: ويكون جَعَلَ الثاني مستأنفًا.
و{يُغْشِي الليل} تقدَّم الكلامُ فيه وهو: إمَّا مستأنفٌ وإمَّا حالٌ مِنْ فاعلِ الافعالِ قبله.
قوله تعالى: {وَفِي الأرض قِطَعٌ}: العامَّة على رفع {قِطَعٌ} و{جنات}: إمَّا على الابتداء، وإمَّا على الفاعلية بالجارِّ قبله. وقرئ: {قِطَعًا مُّتَجَاوِرَاتٍ} بالنصب، وكذلك في بعض المصاحف، على إضمار {جَعَلَ}.
وقرأ الحسن {وجناتٍ} بكسر التاء وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنه جرٌ عطفًا على: {كُلِّ الثمرات}. الثاني: أنه نصبٌ نَسَقًا على: {زَوْجَيْنِ اثنين} قاله الزمخشري. الثالث: نَصْبُه نسقًا على {رواسي}. الرابع: نَصْبُه بإضمار {جَعَلَ} وهو أَوْلى لكثرةِ الفواصلِ في الأوجهِ قبله. قال أبو البقاء: ولم يَقْرَأ أحدٌ منهم وزرعًا بالنصب.
قوله: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالرفع في الأربعة، والباقون بالخفض. فالرفعُ في: {زَرْعٌ وَنَخِيلٌ} للنسقِ على {قِطَعٌ} وفي {صِنْوان} لكونِهِ تابعًا ل {نخيل}، و{غيرُ} لعطفِهِ عليه.
وعاب الشيخُ على ابن عطية قولَه: عطفًا على {قطع} قال: وليسَتْ عبارةً محررةً؛ لأنَّ فيها ما ليس بعطف وهو صِنْوان قلت: ومثل هذا غيرُ مَعيبٍ لأنه عطفٌ محققٌ، غايةُ ما فيه أنَّ بعضَ ذلك تابعٌ، فلا يُقْدَحُ في هذه العبارة.
والخفضُ مراعاةُ ل {أعناب}. وقال ابن عطية: عطفًا على {أعناب}، وعابَها الشيخ بما تقدَّم، وجوابُه ما تقدَّم.
وقد طعنَ قومٌ على هذه القراءة وقالوا: ليس الزرعُ من الجنات، رُوِيَ ذلك عن أبي عمروٍ. وقد أجيب عن ذلك: بأنَّ الجنةَ احتَوَتْ على النخيلِ والأعنابِ والزرعِ كقوله: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32]. وقال أبو البقاء: وقيل: المعنى: ونبات زرعٍ فَعَطَفه على المعنى. قلت: ولا أدري ما هذا الجوابُ؟ لأنَّ الذين يمنع أن تكون الجنةُ من الزرعِ يمنع أن تكونَ من نباتِ الزرع، وأيُّ فرق؟
والصَّنْوانُ: جَمْع صِنْوٍ كقِنْوان جمع قِنْو، وقد تقدم تحقيق هذه البنية في الأنعام. والصِّنْوُ: الفَرْعُ، يَجْمعه وفرعًا آخر أصلٌ واحدٌ، وأصله المِثْلُ، وفي الحديث: «عَمُّ الرجل صِنْوُ أبيه»، أي: مثلُه، أو لأنهما يجمعهما أصلٌ واحد.
والعامَّة على كسرِ الصاد. وقرأ السلمي وابن مصرِّف وزيدُ بن علي بضمِّها، وهي لغةُ قيسٍ وتميم، كذِئْب وذُؤْبان. وقرأ الحسنُ وقتادةُ بفتحها، وهو اسمُ جمعٍ لا جمعُ تكسيرٍ؛ لأنه ليس مِنْ أبنيتِه فَعْلان، ونظيرُ {صَنْوان} بالفتح السَّعْدان. هذا جمعُه في الكثرةِ، وأمَّا في القِلَّة فيُجْمع على أَصْنَاءٍ كحِمْل وأَحْمال.
قوله: {يُسْقَى} قرأه بالياء مِنْ تحتُ ابنُ عامر وعاصمٌ، أي: يُسقى ما ذُكِرَ، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ مراعاةً للفظِ ما تقدم، وللتأنيث في قوله: {بعضَها}.
قوله: {ونُفَضِّل} قرأه بالياء مِنْ تحتُ مبنيًا للفاعل الأخَوان، والباقون بنونِ العظمة. ويحيى بن يعمر وأبو حيوة {يُفَضَّل} بالياء مبنيًا للمفعول، {بعضُها} رفعًا. قال أبو حاتم: وَجَدْتُه كذلك في مصحف يحيى بن يعمر وهو أولُ مَنْ نَقَّط المصاحفَ. وتقدَّم الخلاف في {الأُكُل} في البقرة.
و{فِي الأكل} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه ظرفٌ للتفضيل. والثاني: أنه حال من {بعضها}، أي: نُفضِّل بعضَها مأكولًا، أي: وفيه الأكلُ، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ مِنْ جهة المعنى والصناعة. اهـ.

.تفسير الآيات (5- 6):

قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ثبت قطعًا بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار يوجد المعدوم ويفاوت بين ما تقتضي الطبائع اتحاده، كان إنكار شيء من قدرته عجبًا، فقال عطفًا على قوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17] مشيرًا إلى أنهم يقولون: إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له: {إن تعجب} أي يومًا من الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من إنكارهم البعث: {فعجب} عظيم لا تتناهى درجاته في العظم: {قولهم} بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والدلالات الناطقة بعظيم القدرة على كل شيء منكرين: {إذا كنا ترابًا} واختلط التراب الذي تحولنا إليه بالتراب الأصلي فصار لا يتميز، ثم كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانيًا فقالوا: {إنا لفي خلق جديد} هذا قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون، وهذا الاستفهام الثاني مفسر لما نصب الأول بما فيه من معنى: {أنبعث}، والعجب: تغير النفس بما خفي سببه عن العادة، والجديد: المهيا بالقطع إلى التكوين قبل التصريف في الأعمال، وأصل الصفة القطع؛ قال الرماني: وقد قيل: لا خير فيمن لا يتعجب من العجب، وأرذل منه من يتعجب من غير عجب- انتهى، يعني: فالكفار تعجبوا من غير عجب: ومن تعجبهم فقد تعجب من العجب.
ولما كان هذا إنكار المحسوس من القدرة، استحقوا ما يستحق من يطعن في ملك الملك، فقال: {أولئك} أي الذين جمعوا أنواعًا من البعد مع كل خير: {الذين كفروا بربهم} أي غطوا كل ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم: {وأولئك} أي البعداء البغضاء: {الأغلال} أي الحدائد التي تجمع أيدي الأسرى إلى أعناقهم، ويقال لها: جوامع، وتارة تكون في الأعناق فقط يعذب بها الناس؛ ولما كان طرفا العنق غليظين، فلا تكون إحاطة الجامعة منها إذا كانت ضيقة إلا بالوسط، جعل الأعناق ظروفًا باعتبار أنها على بعض منها، وذلك كناية عن ضيقها، فقال: {في أعناقهم} أي بكفرهم وإن لم تكن الأغلال مشاهدة الآن، فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة، وهم منقادون لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد قائده، والغل: طوق تقيد به اليد في العنق، وأصله: انغل في الشيء- إذا انتشب فيه، وغل المال- إذا خان بانتشابه في المال الحرام: {وأولئك} أي الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم: {أصحاب النار}.
ولما كانت الصحبة تقتضي الملازمة، صرح بها فقال: {هم} أي خاصة: {فيها} أي متمحضة لا يخلطها نعيم: {خالدون} أي ثابت خلودهم دائمًا.
ولما تضمنت هذه الآية إثبات القدرة التامة مع ما سبق من أدلتها المحسوسة المشاهدة، كان أيضًا من العجب العجيب والنبأ الغريب استهزاءهم بها، فقال معجبًا منهم: {ويستعجلونك} أي استهزاء وتكذيبًا؛ والاستعجال: طلب التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له: {بالسيئة} من العذاب المتوعد به من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة جرأة منهم تشير إلى أنهم لا يبالون بشيء منه ولا يوهن قولهم شيء: {قبل الحسنة} من الخير الذي تبشرهم به: {و} الحال أنه: {قد خلت} ولما كان المحدث عنه إنما كان في بعض الزمان، أدخل الجار فقال: {من قبلهم المثلات} جمع مثله بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، وهي العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله من الأمم الذين اتصلت بهم أخبارهم، وخاطبتهم بعظيم ما اتفق لهم آثارهم وديارهم، وما يؤخرهم الله إلا لاستيفاء آجالهم التي ضربها لهم مع قدرته التامة عليهم.
ولما كانوا ربما قالوا: ما نرى إلا تهديدًا لا يتحقق شيء منه: قال مؤكدًا لإنكارهم واعتقادهم أن المسار والمضار إنما هي عادة الدهر، عطفًا على ما تقديره: فإن ربك حليم لا يخاف الفوت فلا يستعجل في الأخذ: {وإن ربك} أي المحسن إليك بجعلك نبي الرحمة: {لذو مغفرة} أي عظيمة ثابتة: {للناس} حال كونهم ظالمين متمكنين في الظلم مستقلين: {على ظلمهم} وهو إيقاعهم الأشياء في غير مواضعها، فلا يؤاخذهم بجميع ماكسبوا: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [النحل: 61] فلذلك يقيم الناس دهرًا طويلًا يكفرون ولا يعاقبون حلمًا منه سبحانه، والآية مقيدة بآية النساء: {ويعفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] وإن لم يكن توبة، فإن التائب ليس على ظلمه.
ولما كان يمهل سبحانه ولا يهمل وذكر إمهاله، ذكر أخذه مؤكدًا لمثل ما مضى فقال: {وإن ربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك بغاية الإحسان: {لشديد العقاب} للكفار ولمن شاء من غيرهم، فلذلك يأخذ أخذ عزيز مقتدر إذا جاء الأجل الذي قدره. اهـ.